الشيخ المحمودي

395

نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة

أضاعوا ، ورعيت ما أهملوا ، وشمرّت إذ اجتمعوا ، وعلوت إذ هلعوا « 1 » وصبرت إذ أسرعوا ، وأدركت أوتار ما طلبوا ، ونالوا بك ما لم يحتسبوا ، كنت على الكافرين عذابا صبّا ونهبا ، وللمؤمنين عمدا وحصنا ، فطرت واللّه بنعمائها ، وفزت بحبائها ، وأحرزت سوابقها ، وذهبت بفضائلها ، لم تفلل حجّتك ، ولم يزغ قلبك ، ولم تضعف بصيرتك ، ولم تجبن نفسك ولم تخر ، كنت كالجبل لا تحرّكه العواصف ، وكنت كما قال عليه السّلام : « آمن النّاس في صحبتك وذات يدك » وكنت كما قال عليه السّلام « 2 » : ضعيفا في بدنك ، قويا في أمر اللّه ، متواضعا في نفسك ، عظيما عند اللّه ، كبيرا في الأرض ، جليلا عند المؤمن ، لم يكن فيك مهمز ، ولا لقائل فيك مغمز ، ولا لأحد فيك مطمع ، ولا لأحد عندك هوادة ، الضعيف الذليل عندك قوي عزيز حتّى تأخذ بحقّه ، والقوي العزيز عندك ضعيف ذليل حتّى تأخذ منه الحقّ ، والقريب والبعيد عندك في ذلك سواء ، شأنك الحقّ والصّدق والرفق ، وقولك حكم وحتم ، وأمرك حلم وحزم ، ورأيك علم وعزم فيما فعلت ، وقد نهج السبيل ، وسهل العسير ، وأطفئت النيران ، واعتدل بك الدّين ، وقوي بك الإسلام ، فظهر أمر اللّه ولو كره الكافرون ، وثبت بك الإسلام والمؤمنون ، وسبقت سبقا بعيدا ، وأتعبت من بعدك تعبا شديدا ، فجللت عن البكاء ، وعظمت رزيتك في السماء ، وهدّت مصيبتك الأنام ، فإنّا للّه وإنّا إليه راجعون ، رضينا عن اللّه قضاه ، وسلمنا للّه أمره ، فو اللّه لن يصاب المسلمون بمثلك أبدا ، كنت للمؤمنين كهفا وحصنا ، وقنة راسيا ، وعلى الكافرين غلظة وغيظا ، فألحقك اللّه بنبيّه ، ولا أحرمنا أجرك ، ولا أضلّنا بعدك . وسكت القوم حتّى انقضى كلامه وبكى ، وبكى أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، ثمّ طلبوه فلم يصادفوه .

--> ( 1 ) أي استقللت بالأمر حين جزع أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وفزعوا من القيام بالأمر ، كما في غزوة الأحزاب وغير واحد من مقامات أخر . ( 2 ) كأنّه من باب الالتفات من الخطاب إلى الغيبة ، أي كما قلت عليك السّلام . وكثير من هذه الجمل ممّا قد وصف عليه السّلام نفسه بها ، كما في المختار ال ( 36 ) من خطب نهج البلاغة .